محمد متولي الشعراوي
3161
تفسير الشعراوى
السلطان فذلك عين الفساد . والآفات والشرور تأتى من ذلك . بل قد لا يدرى السلطان شيئا عن ذلك ، وقد يتدخل قريب للسلطان - دون علم السلطان - ليطلب من العلماء تغيير بعض من المنهج ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم ، وقد فطن سيدنا عمر رضى اللّه عنه إلى هذا الأمر فقال : إن الفساد قد لا يأتي من السلطان ، ولكن من الذين حول السلطان . والخشية هنا تكون من غير اللّه ، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه والملتفين حوله ويقول لهم : لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فو الذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شئ من هذا جعلت نكالا للمسلمين . هذا هو أسلوب من أراد أن يخدم ويحكم ولا يحمل أوزارا ، ونرى صور الفساد إنما جاءت نتيجة مخالفة القاعدة الحكيمة : « فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ » . ويتابع الحق من بعد ذلك : « وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا » وثمن آيات اللّه مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا ؛ لأن الدنيا - كما قلنا سابقا - لا تقاس بعمرها الحقيقي أي إلى أن يفنى اللّه البشر ، وإنما دنيا كل حىّ تقاس بعمره فيها . فهب أن الحياة طالت لملايين السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين ؟ إذن فدنيا كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة . وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير معروف لأحد غير اللّه ، فلكل أجل كتاب . ولذلك تجد واحدا يعيش متوسط الأعمار وهو سبعون عاما . ويختلف العمر من إنسان لآخر ، وقد يموت آخر عند الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة ، وخامس يموت وهو طفل رضيع . إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة . وما دامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ولا يحكمها سبب فهي - إذن - بإرادة الحق غيب . وأقضية الموت في الوجود جعلها اللّه شائعة في كل زمن ولم يجعلها الحق بعد الميلاد . بمعنى أن يولد الإنسان ليموت من بعد ذلك ، لا ، فقد يموت الكائن